محمد هادي معرفة

32

التمهيد في علوم القرآن

توسّع في هذا البحث فأفاد وأجاد - : أنّ الإعجاز قائم بنظمه ذلك المتّسق البديع ورصفه ذلك المؤتلف العجيب ، قد وضعت كلّ كلمة في موضعها اللائق بدقة فائقة ، ممّا يستدعي إحاطة شاملة تعوزها البشريّة على الإطلاق ، الأمر الذي أبهر وأعجب ، قال : قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما وحديثا ، وذهبوا فيه كلّ مذهب من القول وما وجدناهم بعد صدروا عن ريّ ، وذلك لتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن ، ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيّته . فأمّا أن يكون قد نقبت في النفوس نقبة « 1 » بكونه معجزا للخلق ممتنعا عليهم الإتيان بمثله على حال ، فلا موضع لها . والأمر في ذلك أبين من أن نحتاج إلى أن ندلّ عليه بأكثر من الوجود القائم المستمر على وجه الدهر ، من لدن عصر نزوله إلى الزمان الراهن الذي نحن فيه . وذلك أنّ النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) قد تحدّى العرب قاطبة بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عنه وانقطعوا دونه . وقد بقي ( صلى اللّه عليه وآله ) يطالبهم به مدّة عشرين سنة ، مظهرا لهم النكير ، زاريا على أديانهم مسفّها آراءهم وأحلامهم ، حتى نابذوه وناصبوه الحرب فهلكت فيه النفوس ، وأريقت المهج ، وقطعت الأرحام ، وذهب الأموال . . . . ولو كان ذلك في وسعهم وتحت أقدارهم لم يتكلّفوا هذه الأمور الخطيرة ولم يركبوا تلك الفواقر المبيرة « 2 » ولم يكونوا تركوا السهل الدمث من القول ، إلى الحزن الوعر من الفعل « 3 » . هذا ما لا يفعله عاقل ولا يختاره ذو لبّ . وقد كان قومه قريش خاصة موصوفين برزانة الأحلام ووفارة العقول والألباب ، وقد كان فيهم الخطباء

--> ص 232 رقم 917 ) . ( 1 ) اي ألقيت في النفوس إلقاء . وهو قول قريب من القول بالصرفة ، ومن ثمّ رفضه . ( 2 ) الفاقرة : الداهية . والإبارة : الإهلاك . ( 3 ) الدماثة : السهولة . يقال : أرض دمث أي ذلول ، ضد الحزونة والوعورة .